القرطبي

256

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

غل فلان المفاوز ، أي دخلها وتوسطها . وغل من المغنم غلولا ، أي خان . وغل الماء بين الأشجار إذا جرى فيها ، يغل بالضم ( 1 ) في جميع ذلك . وقيل : الغلول في اللغة أن يأخذ من المغنم شيئا يستره عن أصحابه ، ومنه تغلغل الماء في الشجر إذا تخللها . والغلل : الماء الجاري في أصول الشجر ، لأنه مستتر بالأشجار ، كما قال ( 2 ) : لعب السيول به فأصبح ماؤه * غللا يقطع في أصول الخروع ومنه الغلالة للثوب الذي يلبس تحت الثياب . والغال : أرض مطمئنة ذات شجر . ومنابت السلم ( 3 ) والطلح يقال لها : غال . والغال أيضا نبت ، والجمع غلان بالضم . وقال بعض الناس : إن معنى " يغل " يوجد غالا ، كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محمودا . فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى " يغل " بفتح الياء وضم الغين . ومعنى " يغل " عند جمهور أهل العلم أي ليس لأحد أن يغله ، أي يخونه في الغنيمة . فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في الغنائم ، والتوعد عليه . وكما لا يجوز أن يخان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يخان غيره ، ولكن خصه بالذكر لان الخيانة معه أشد وقعا وأعظم وزرا ، لان المعاصي تعظم بحضرته لتعين توقيره . والولاة إنما هم على أمر النبي صلى الله عليه وسلم فلهم حظهم من التوقير . وقيل : معنى " يغل " أي ما غل نبي قط ، وليس الغرض النهي . الثانية - قوله تعالى : ( ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته ، معذبا بحمله وثقله ، ومرعوبا بصوته ، وموبخا بإظهار خيانته على رؤوس الاشهاد ، على ما يأتي . وهذه الفضيحة التي يوقعها الله تعالى بالغال نظير الفضيحة التي توقع بالغادر ، في أن ينصب له لواء عند أسته بقدر غدرته . وجعل الله تعالى هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه ، ألا ترى إلى قول الشاعر : أسمي ويحك هل سمعت بغدرة * رفع اللواء لنا بها في المجمع

--> ( 1 ) أي بضم الغين . ( 2 ) البيت للحويدرة ، كما في اللسان . ( 3 ) في ب ود : الساج .